ابن كثير

213

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [ المجادلة : 21 ] وقال تعالى : إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [ غافر : 51 - 52 ] إلى آخر الآية ، ووجه ابن جرير على أن المعنى : ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما ، ثم يبتدئ فيقول : بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ تقديره أنتما ومن اتبعكما الغالبون بآياتنا ، ولا شك أن هذا المعنى صحيح ، وهو حاصل من التوجيه الأول ، فلا حاجة إلى هذا ، واللّه أعلم . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 36 إلى 37 ] فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ ( 36 ) وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 37 ) يخبر تعالى عن مجيء موسى وأخيه هارون إلى فرعون وملئه وعرضه ما آتاهما اللّه من المعجزات الباهرة ، والدلالة القاهرة على صدقهما فيما أخبرا به عن اللّه عز وجل من توحيده واتباع أوامره ، فلما عاين فرعون وملؤه ذلك وشاهدوه وتحققوه ، وأيقنوا أنه من عند اللّه ، عدلوا بكفرهم وبغيهم إلى العناد والمباهتة ، وذلك لطغيانهم وتكبرهم عن اتباع الحق فقالوا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً أي مفتعل مصنوع ، وأرادوا معارضته بالحيلة والجاه فما صعد معهم ذلك . وقوله : وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ يعنون عبادة اللّه وحده لا شريك له ، يقولون : ما رأينا أحدا من آبائنا على هذا الدين ، ولم نر الناس إلا يشركون مع اللّه آلهة أخرى ، فقال موسى عليه السلام مجيبا لهم رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ يعني مني ومنكم ، وسيفصل بيني وبينكم ، ولهذا قال : وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ أي من النصرة والظفر والتأييد إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ أي المشركون باللّه عز وجل . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 38 إلى 42 ] وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ ( 38 ) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ ( 39 ) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ( 40 ) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ ( 41 ) وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ( 42 ) يخبر تعالى عن كفر فرعون وطغيانه وافترائه في دعواه الإلهية لنفسه القبيحة لعنه اللّه ، كما قال اللّه تعالى : فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ [ الزخرف : 54 ] الآية ، وذلك لأنه دعاهم إلى الاعتراف له بالإلهية ، فأجابوه إلى ذلك بقلة عقولهم وسخافة أذهانهم ، ولهذا قال : يا أَيُّهَا